حاوره: فضل الله ممتاز
الدكتور سعد بن تركي الخثلان رئيس تحرير مجلة الجمعية الفقهية السعودية، وأستاذ الفقه المشارك في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، معروف بنشاطه العلمي والدعوي،وله جهود ومشاركات متنوعة في وسائل الإعلام المختلقة من الإذاعات والقنوات الفضائية, وفي بعض الصحف والمجلات كما يلقي فضيلته المحاضرات والدروس الدينية في المساجد وفي الدورات العلمية، وله حضور مميز في المجامع الفقهية, والندوات المتخصصة، وفي حوار إيماني خاص مع شبكة رسالة الإسلام بالرياض تحدث فضيلته عن أهمية تزكية النفس خاصة في المواسم الإيمانية مثل شهر رمضان المبارك، كما ألقى الضوء على أحكام نوازل الاعتكاف خاصة مع دخول شهر رمضان المبارك وذكر فضيلته الفقهاء وطلبة العلم بفضل هذه العبادة وأهميتها في تربية النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى.. وإلى نص الحوار:
رسالة الإسلام: كما تعلمون أن النفس البشرية بحاجة للتزكية خاصة في زمن كثرت المغريات فما أهمية تزكية النفس وأثرها في حياة المسلم؟
الدكتور سعد الخثلان: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى يهديه إلى يوم الدين وبعد:
فإنَّ الله تعالى قد علَّق فلاح العبد على تزكيته لنفسه قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} وقد جاءت هذه الآية بعد أحد عشر قَسَماً, وليس لهذا نظير في القرآن, وقد وقعت هذه الآية جواباً لهذا القسم مما يؤكد على أهمية تزكية النفوس وأنَّ الفلاح كلَّ الفلاح معلَّقٌ على هذه التزكية.
رسالة الإسلام: ما السبيل لتحصيل تزكية النفوس خاصة في واقع يعيش الإنسان فيه مع مغريات كثيرة من حوله ونحن قد دخلنا في موسم الخير ألا وهو شهر رمضان المبارك؟
الدكتور سعد الخثلان: تحصل تزكية النفوس بأمور قد جاء بيانها في الكتاب والسنة, ومن أبرزها: عبادةٌ جليلة ينقطع فيها العبد لإصلاح نفسه وتعاهدها وينقطع عن الدنيا ويتفرغ للآخرة, وهي عبادة "الاعتكاف" التي يقول الإمام ابن القيم رحمه لله في المقصود منها: "عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه, والخلوة به, والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه".
رسالة الإسلام: ذكرتم أن من الأمور المهمة التي تزكى بها النفس الاعتكاف فما حقيقة الاعتكاف؟
الدكتور سعد الخثلان: الاعتكاف من الشرائع القديمة قال الله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ}. وقال عز وجل عن مريم عليها السلام: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا} وقال: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "... ولأن مريم عليها السلام قد أخبر الله سبحانه أنها جعلت محررة له أو كانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب، وأنها انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم حجاباً، وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه".
وقد كان الاعتكاف معروفاً في الجاهلية قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما يدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنتُ نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أوفِ بنذرك".
وحقيقة الاعتكاف شرعاً: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى, وهو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف.
رسالة الإسلام: كما ذكرتم أن الاعتكاف من العبادات المهمة فهي تزكي النفوس المسلمة وتربيها على طاعة الله عزوجل فما التأصيل الشرعي للاعتكاف؟
الدكتور سعد الخثلان: الاعتكاف مشروع, والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}. وقول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. ومن السنة: أحاديث كثيرة ومنها:
ـ ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله, ثم اعتكف أزواجه من بعده.
ـ ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
وجاء في معنى هذين الحديثين أحاديث كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه الاعتكاف في شهر رمضان وربما اعتكف في أول شهر شوال.
وأما الإجماع على مشروعية الاعتكاف فقد نقله غير واحد من أهل العلم، فقد نقل أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً في أن الاعتكاف لمسنون.
قال ابن المنذر رحمه الله: أجمعوا على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه.
رسالة الإسلام: قلتم أن الاعتكاف سنة فهل هناك حالات يجب الاعتكاف فيها؟
الدكتور سعد الخثلان: الأصل في الاعتكاف أنه مسنون إلا أنه يجب بالنذر بإجماع العلماء, وقد أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه.
ويدل لذلك ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نَذَر أن يطيعَ الله فليطعه ومن نَذَر أن يعصي الله فلا يعصِه".
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام, فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أوف بنذرك".
رسالة الإسلام: وهل يشترط المسجد لصحة الاعتكاف’ علما بأن بعض الناس يقولون يمكن الاعتكاف في البيوت؟
الدكتور سعد الخثلان: نعم يشترط المسجد لصحة الاعتكاف, وقد أجمع العلماء على ذلك, ولا يكون الاعتكاف إلا في المسجد،ويدل لذلك قول الله تعالى {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فلو صحَّ الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد؛ لأنها منافية للاعتكاف فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد, ويدل لذلك أيضاً ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه في المسجد فأرجَّله, وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً.
ولو كان المسجد غير مشترط لصحة الاعتكاف لم يكن هناك حاجة لئن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه فقط لحجرة عائشة لترجَّله ولدخل بجميع بدنه..., ويؤكد هذا المعنى قولها: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة, ولو كان المسجد غير مشترطٍِ لصحة الاعتكاف لكان دخوله للبيت للحاجة ولغير الحاجة.
رسالة الإسلام: ما ضابط المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف، لأن هناك مساجد صغيرة ومصليات لإقامة الصلوات الخمس فقط؟
الدكتور سعد الخثلان: الضابط الشرعي هو أنه يشرع الاعتكاف للرجل في المسجد الذي تقام فيه الجماعة على القول الراجح من أقوال الفقهاء بدليل قوله تعالى:{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ووجه الدلالة: أن لفظ (المساجد) في الآية عام فيشمل كلَّ مسجد لكن يخصَّ بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة لأن الجماعة واجبة, واعتكاف الرجل في مسجدِ لا تقام فيه الجماعة يقضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة, وإما خروجه إليها, فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه, وذلك مناف للاعتكاف, إذ هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه.
ولقول عائشة رضي الله عنها: السنة في المعتكف ألا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج إلا لما لابَّد منه, ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وموضع الشاهد منه قولها: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة)، وقد صدرت رضي الله عنها قولها بـ (السنة) وهي تنصرف عند الإطلاق إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
رسالة الإسلام: قد تحدثتم لقراء وزوار شبكة رسالة الإسلام عن ضابط المسجد الذي يشرع الاعتكاف فيه للرجل، فما ضابط المسجد الذي يشرع للمرأة الاعتكاف فيه؟
الدكتور سعد الخثلان: تختلف المرأة عن الرجل في أنها لا تجب عليها صلاة الجماعة عند جميع العلماء, ومن هنا لم يقل أحد من العلماء بأن المرأة يلزمها الاعتكاف في مسجدٍ تقام فيه الجمعة أو الجماعة وإنما اشترط جمهور العلماء لصحة اعتكافها أن تعتكف في مسجد, ولا يصح أن تعتكف في مسجد بيتها.
رسالة الإسلام: بما أن المسجد شرط لصحة الاعتكاف فما حكم الخروج من المسجد في أثناء الاعتكاف؟
الدكتور سعد الخثلان: سبق أن قلنا أنه يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد على اختلاف بين العلماء في ضابط المسجد الذي يشرع الاعتكاف فيه, والأصل مقام المعتكف في المسجد وعدم خروجه منه, إذ أن هذه هي حقيقة الاعتكاف.
رسالة الإسلام: ولكن هناك حالات يضطر المعتكف للخروج من المسجد لقضاء بعض حوائجه فما هي الحالات التي يباح للمعتكف الخروج فيها من المسجد؟
الدكتور سعد الخثلان: نعم هناك أحوال يباح للمعتكف الخروج معها من المسجد. .فيجوز للمعتكف أن يخرج لأمر لابد منه, وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم في الجملة, ومن أمثلة ما لابد منه طبعاً أن يخرج لقضاء حاجة البول والغائط وقد اتفق العلماء على ذلك. وقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً, وهذا لفظ البخاري, ولفظ مسلم: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفسرها الزهري بالبول والغائط".
ولأن البول والغائط مما لابّد للإنسان منهما, ولا يمكن فعلها في المسجد فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليهما لم يصح الاعتكاف.
وفي معناهما الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه بهما، فله الخروج للإتيان بالمأكول والمشروب متى احتاج إليهما سواءٌ كان ذلك بالذهاب لمنزله والإتيان بهما أو بشرائهما.
والمعتكف ليس له الخروج من المسجد إلى منزله للأكل مادام أنه يمكنه ذلك في المسجد.
رسالة الإسلام: إذا خرج المعكتف للأكل في منزله علما بأنه يوجد من يحضر له الطعام فهل يبطل اعتكافه؟
الدكتور سعد الخثلان: نعم يبطل اعتكافه بناء على قول جمهور الفقهاء إذا خرج المعتكف للأكل في منزله ويوجد من يحضر له طعامه.
رسالة الإسلام: هل هناك بين الأكل والشرب وهل لخروج المعتكف لشرب إلى منزله مسوغ شرعي؟
الدكتور سعد الخثلان: الصحيح على رأي أكثر الفقهاء أنه لا فرق بين الأكل والشرب, وكلاهما ليس بمسوغٍ للمعتكف الخروج من المسجد إلا إذا لم يجد من يأتيه بهما.
رسالة الإسلام: ولكن المعتكف بحاجة للخروج من المسجد للوضوء وغسل الجنابة، فما تعليق فضيلتكم على ذلك؟
الدكتور سعد الخثلان: نعم يجوز له الخروج للوضوء أو لغسل الجنابة أو لصلاة الجمعة إذا كان اعتكافه في غير مسجد جامع.
رسالة الإسلام: إذا كان بقرب المسجد سقاية أو ما يسمى في وقتنا الحاضر بدورات المياه فهل له الخروج إلى منزله للوضوء وغسل الجنابة؟
الدكتور سعد الخثلان :إن كان المعتكف لا يحتشم من دخول سقاية المسجد (دورات المياه) فليس له الخروج إلى منزله أو إن كان يحتشم من دخولها فله الخروج إلى منزله والتطهر فيه على الراجح من أقوال الفقهاء.
رسالة الإسلام: وماذا عن حكم خروج المعتكف لصلاة الجمعة إذا اعتكف في مسجد تقام فيه الجماعة فقط، علما بأن بعض المعتكفين يظنون أن بخروجهم لصلاة الجمعة يبطل اعتكافهم؟
الدكتور سعد الخثلان :من اعتكف في مسجدٍ تقام في الجماعة دون الجمعة يلزمه الخروج إلى الجمعة باتفاق العلماء، ولا يبطل اعتكافه, حيث أن الشارع أذن بالاعتكاف في مسجدٍ تقام فيه الجماعة مع إيجاب صلاة الجمعة, فدلّ ذلك على إذنه للخروج لصلاة الجمعة, وما ترتب على المأذون غير مضمون ولأن الجمعة فرض عين ولا يمكن إقامتها في كلَّ مسجد فكان خروج المعتكف للجمعة خروج لما لابّد منه كالخروج لقضاء حاجة الإنسان، وأن الجمعة تقام مرة واحدة في الأسبوع فلا يضر الخروج إليها.
رسالة الإسلام: كما هو معروف أن هناك من يتساهل في الخروج من المسجد في أثناء اعتكافه ويخرج من غير ضرورة أو عذر شرعي، فما هي الحالات التي يبطل الخروج فيها الاعتكاف؟
الدكتور سعد الخثلان: اتفق العلماء على أنّ خروج المعتكف من المسجد لغير حاجة يبطل الاعتكاف, ومن أمثلة الخروج لغير حاجة: الخروج للبيع والشراء والاكتساب والنزهة ونحو ذلك, ويدل لهذا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إليّ رأسه لأرجّله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة". ولأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد فإذا خرج منه لغير عذر فقد فعل ما ينافيه فبطل كما لو أكل في الصوم , وإذا كان الخروج لغير حاجة مبطلاً للاعتكاف فإن الخروج لأمرٍ ينافي الاعتكاف – كالخروج لجماع أهله أو مباشرتهم – مبطلّ للاعتكاف من باب أولى.
رسالة الإسلام: هل يجور الخروج للمعتكف لأمر طاعةٍ لا تجب عليه كعيادة المريض وشهود جنازة؟
الدكتور سعد الخثلان: إن كان خروجه لأمرٍ مباح مما لا ينافي الاعتكاف بدون شرط كأن يخرج للمبيت في منزله ونحوه جاز ذلك في الاعتكاف المستحب, وينقطع هذا الاعتكاف بخروجه, لأن اعتكاف التطوع يجوز قطعه كسائر التطوعات في قول جماهير أهل العلم, أما إن كان الاعتكاف واجباً بالنذر فلا يجوز ذلك الخروج – بدون شرط -, ولو خرج بطل اعتكافه ولزمه استئنافه. كما ينبغي التذكير بأن المعتكف يجوز له الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة إذا كان للمريض أو الميت حق عليه من غير اشتراط ولا يجوز ذلك إذا لم يكن للمريض أو الميت حق عليه.
رسالة الإسلام: فضيلة الشيخ بما تنصح الشباب وطلبة العلم من الأعمال الصالحة؟
الدكتور سعد الخثلان: قد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) في هذا الحديث العظيم يبين النبي صلى الله عليه وسلم إن عمل الإنسان ينقطع بالموت فإن من مات فقد انقطع عن دار العمل وانتقل إلى دار الجزاء والحساب, ولذلك فإن الحياة فرصة عظيمة للأحياء في أن يعملوا وأن يتزودوا بالأعمال الصالحة: فرصة لأن ينيبوا إلى الله تعالى ويرجعوا إليه إننا الآن في دار يتمناها الأموات لكي يعملوا صالحاً وما من ميت يموت إلا وقد ندم إن كان محسنا ندم ألا يكون قد ازداد وإن كان مسيئا ندم ألا يكون قد استعتب وأناب.. روي بعض الموتى في المنام فقال: نحن أيها الأموات نعلم ولا نستطيع أن نعمل. وأنتم أيها الأخيار تعلمون ولا تعملون والله لتسبيحة واحدة يجدها أحدنا في صحيفته خير من الدنيا وما فيها.
رسالة الإسلام: فضيلة الدكتور كما هو معروف أن الموت تنقطع به الأعمال فما هي الأمور التي لا تنقطع بالموت ويستمر وصول أجرها وثوابها للمؤمن حتى بعد وفاته؟
الدكتور سعد الخثلان: نعم إن الموت تنقطع به الأعمال لكن هناك أمور ثلاثة لا تنقطع بالموت الأول منها: صدقة جارية والصدقة الجارية هي الوقف والسبيل في أمور الخير فما وقفه المسلم لله تعالى فهو من الصدقة الجارية التي يستمر ثوابها له بعد مماته, كعمارة المساجد، والأوقاف التي تسبل وتوقف للفقراء والمحتاجين والمعوزين ونحو ذلك من الأوقاف في أمور الخير.والوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة فلا يباع ولا يورث ولا يوهب وهو من أفضل القرب إذا كان في أمور الخير ويكفي في بيان فضله أن ثوابه يستمر للإنسان بعد مماته ولذلك فقد أشار به النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استشاره في أنفس مال أصابه ماذا يفعل به ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها (أي أوقفتها) قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً.. والأمر الثاني: مما يستمر أجره وثوابه للميت بعد موته: علم ينتفع به والمراد بهذا العلم: العلم المستمد من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويكون توريثه بالتعليم والتأليف والنشر ونحو ذلك وها نحن نذكر علماء ماتوا من مئات السنين ونترحم عليهم وندعو لهم هذا هو العلم النافع الذي يبقى للإنسان بعد وفاته وكلما كان العلم أكثر نفعاً وأوسع انتشاراً كلما كان أعظم ثواباً وأجرا ويدخل في ذلك من دعا إلى هدى فإن له مثل أجر من تبعه ولو كان ذلك بعد وفاته يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً"، وثالث الأعمال التي لا نتقطع بالموت دعاء الولد الصالح.
رسالة الإسلام: هل هناك أمور أخرى ترسخ إيمان المسلم في قلبه وتساعد على طاعة الله لأن الإنسان مع طول الزمن والغفلة قد يتبلد إحساسه؟
الدكتور سعد الخثلان: نعم هناك أمور كثيرة لو اتصف المؤمن بها لساعدته على طاعة الله سبحانه وتعالى مثل التفكر في خلق الله فإن التفكر في خلق الله تعالى ليزيد الإيمان في القلب ويقويه ويرسخ اليقين، ويجلب الخشية لله تعالى وتعظيمه، وكلما كان الإنسان أكثر تفكرا وتأملا في خلق الله وأكثر علما بالله تعالى وعظمته كان أعظم خشية لله تعالى كما قال سبحانه: إنما يخشى الله من عباده العلماءُ ولهذا كان السلف الصالح على جانب عظيم من هذا الأمر فكانوا يتفكرون في خلق الله ويتدبرون آياته ويحثون على ذلك، يقول أحدهم: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فَهِمَ، ولا فهم إلا علم، ولا علم إلا عمل. ويقول الآخر: لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوه.